آه من الآهات كم تحمل من عواصف وهزَّات , تقول في صمت وتفعل في سكون , مع من لهم علاقة مع شعيرة البوح الإنساني الطبيعي , فهم لا يرفعون الغطاء عما يستطيل ويستدير ويتمدد في دخيلة كل واحد منهم من مشاعر الحزن والضيق وحتى الفرح , الغناء بكل أنواعه لا تمنعه حصون او بوابات من الوصول إلى القلوب في تعبير علني عن كل ما يجيش في النفوس من مشاعر , والآهات وما يرافقها من عُرب غنائية تفيض شجناً , يجد فيها المتنصت المثقل بالهموم كوة يناجي منها نفسه , آه من الآهات , كم فيها من مناجاة وجدانية مع الذات , والآهات المرة كثيراً ما تكون لها حلاوة خاصة. لتأتي القفلة بالعودة للهزام وبتكرار لفظة (( آه )) تكرارات رشيقة جداً وحماسية للغاية تنتهي بآه حراقة في غاية القوة والإطراب. وفي المقطع الرابع والأخير (( وآه لما منعت ودادك )) , ينطلق زكريا من مقام النهاوند , مع ملامسات سريعة للبيات ثم الراست , وأيضاً , يسمح اللحن لأم كلثوم بالتفنن في عبارة (( تعال شوف )) , مع مواصلة الغناء المؤثر الذي يبلغ حد الحسرة والألم مع كلمات : (( دا الأنس كان أنت.. والانسجام أنت.. والزهر كان أنت.. والابتسام )) , وبعد توالي الجمل الهادئة , يتصاعد زكريا , ويدوي صوت أم كلثوم بالاستفهام المستنكر: (( ما تقول لي فين أنت؟ )) ثم تتوالى الشطرات القصيرة المبدوءة بلفظة آه : (( آه ياللي أسست وهديت.. آه ياللي عمرت وأخليت.. آه ياللي أضحكت وأبكيت )) , لتختم الأغنية بشطرة أولها آه وآخرها آه : (( آه من رضاك وصدودك آه )) وباستقرار واضح على الهزام. وهكذا , لم تكن (( الآه )) في هذه التحفة مجرد لفظة شجية تتردد على الألسن , بل كانت بوحاً إنسانياً شامخاً استطاع زكريا أحمد أن يستلّ من أوتاره فلسفة الشجن , وسكب فيها بيرم التونسي عصارة روحه , لتبث فيها أم كلثوم الحياة وتجعلها عابرة للزمن , إنها الآه التي ترتقي بالمشاعر من لحظة العبرة إلى ذروة النشوة , وتبقى شاهدة على أن الغناء الأصيل لا يشيخ , وأن جمر الشجن الحقيقي يظل يتوهج في أبدية الوجدان , لقد أثبت هذا المربع الخالد - شاعرٌ يغزل الشجن , وموسيقارٌ يزن الآهات بميزان الذهب , وسيدةٌ تجعل الصمت طرباً , وجمهورٌ يتقن فن الاستماع - أن المبدعين لا يموتون , وستبقى تلك الآهات الكلثومية نافذةً يطل منها كل محبٍّ مثقل بالهموم , ليجد في رجع صداها سلوى لقلبه , وحلاوةً تستعذب المرار , وأثراً لا يُمحى من ذاكرة الروح . صباح الزهيري .