ولم تكن الكرة الفضية سوى جزء من عمل جغرافي أوسع، إذ حمل الإدريسي مخطوطاً ضخماً دوّن فيه خلاصة رحلاته ومشاهداته العينية التي امتدت لخمسة عشر عاماً، ليولد في تلك اللحظة التاريخية كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” الذي أصبح من أهم الموسوعات الجغرافية التي عرفتها العصور الوسطى. مرجع أوروبا في عصر الكشوف الجغرافيةأصبح الكتاب مرجعاً أساسياً في أوروبا حيث تُرجم إلى اللاتينية وعدة لغات أوروبية، واعتمدت خرائطه في الدراسات الجغرافية والرحلات الاستكشافية حتى عصر النهضة، كما لا تزال مخطوطاته محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية، ومكتبة بودليان في أكسفورد، وإسطنبول. شهادات العلماءيصف المؤرخ المصري الدكتور حسين مؤنس مكانة الإدريسي في كتابه “تاريخ الجغرافيا والجغرافيين في الأندلس” قائلاً: “إن الإدريسي يمثل القمة التي وصل إليها العلم الجغرافي في الشرق والغرب على حد سواء في عصره”. كما رأى المستشرق الإيطالي ميكيلي أماري (Michele Amari) أن كتاب الإدريسي يتصدر المؤلفات الجغرافية في العصور الوسطى، وعدّه من أعظم الإنجازات العلمية التي خلفتها الحضارة العربية الإسلامية، لما امتاز به من دقة منهجية وشمول في الوصف. بعد نحو تسعة قرون على تأليفه، لا يزال “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” شاهداً على ريادة العلماء العرب في بناء المعرفة الجغرافية، ودليلاً على أن المنهج القائم على الملاحظة والبحث والمقارنة كان حاضراً في الحضارة العربية الإسلامية، ليبقى الكتاب واحداً من أهم أمهات الكتب التي أسهمت في تشكيل تاريخ الجغرافيا ورسم الخرائط في العالم.